English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean Arabic Chinese Simplified

آخر المواضيع

‏إظهار الرسائل ذات التسميات قرأت لكم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قرأت لكم. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 5 أكتوبر 2012

العلم طريقك الى الجنة

ومن أهم فضائل العلم ما يلي:
1- أنه إرث الأنبياء، فالأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – لم يورثوا درهماًَ ولا ديناراً وإنما ورثوا العلم، فمنْ أخذ بالعلم فقد أخذ بحظ وافر من إرث الأنبياء، فأنت الآن في القرن الخامس عشر إذا كنت من أهل العلم ترث محمداً صلى الله عليه وسلم وهذا من أكثر الفضائل.
2- أنه يبقى والمالي يفنى، فهذا أبو هريرة - رضي الله عنه – من فقراء الصحابة حتى إنه يسقط من الجوع كالمغمي عليه وأسألكم بالله هل يجري لأبي هريرة ذكر بين الناس في عصرنا أم لا ؟ نعم يجري كثيرا فيكون لأبي هريرة أجر من انتفع بأحاديثه، إذ العلم يبقى والمال يفنى، فعليك يا طالب العلم أن تستمسك بالعلم فقد ثبت في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { إذا مات الإنسان، انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له }.
3- أنه لا يتعب صاحبه في الحراسة؛ لأنه إذا رزقك الله علماً فمحله في القلب لا يحتاج إلى صناديق أو مفاتيح أو غيرها، هو في القلب محروس، وفي النفس محروس، وفي الوقت نفسه هو حارس
لك؛ لأنه يحميك من الخطر بإذن الله – عز وجل – فالعلم يحرسك، ولكن المال أنت تحرسه تجعله في صناديق وراء الإغلاق، ومع ذلك تكون غير مطمئن عليه.
4- أن الإنسان يتوصل به إلى أن يكون من الشهداء على الحق، والدليل قوله تعالي: { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ }(آل عمران: الآية18). فهل قال: { أولو المال}؟ لا، بل قال : { وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ } فيكفيك فخراً يا طالب العلم أن تكون ممن شهد لله أنه لا إله إلا هو مع الملائكة الذين يشهدون بوحدانية الله – عز وجل –
5- أن أهل العلم هو أحد صنفي ولاة الأمر الذين أمر الله بطاعتهم في قوله تعالي: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } (النساء:الآية59). فإن ولاة الأمور هنا تشمل ولاة الأمور من الأمراء والحكام، والعلماء وطلبة العلم؛ فولاية أهل العلم في بيان شريعة الله ودعوة الناس إليها وولاية الأمراء في تنفيذ شريعة الله وإلزام الناس بها.
6- أن أهل العلم هو القائمون على أمر الله تعالى حتى تقوم الساعة، ويستدل لذلك بحديث معاوية – رضى الله عنه – يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقوم: ّ{ من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله } رواه البخاري.
وقد قال الإمام أحمد عن هذه الطائفة: (( إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم )).
وقال القاضي عياض – رحمه الله - : (( أراد أحمد أهل السنة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث)).
7- أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يرغب أحداً أن يغبط أحداً على شيْ من النعم التي أنعم الله بها إلا على نعمتين هما:
1- طلب العلم والعمل به.
2- التاجر الذي جعل ماله خدمة للإسلام. فعن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :{ لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمةً فهو يقضي بها ويعلمها}.
8- ما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري عن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكان منها طائفة طيبة، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعُشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تُمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقُُه في دين الله ونفعهُ ما بعثني الله به ، فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ، ولم يقبل هُدى الله الذي أرسلتُ به}.
9- أنه طريق الجنة كما دل على ذلك حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { ومن سلك طريقا يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة. } رواه مسلم.
10- ما جاء في حديث معاوية – رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { من يرد الله به خيراً يُفقهه في الدين} ،أي يجعله فقيهاً في دين الله – عز وجل - ، والفقه في الدين ليس المقصود به فقه الأحكام العملية المخصوصة عند أهل العلم بعلم الفقه فقط، ولكن المقصود به هو: علم التوحيد، وأصول الدين، وما يتعلق بشريعة الله – عز وجل -. ولو لم يكن من نصوص الكتاب والسنة إلا هذا الحديث في فضل العلم لكان كاملاً في الحثً على طلب علم الشريعة والفقه فيها.
11- أن العلم نور يستضيء به العبد فيعرف كيف يعبد ربه، وكيف يعامل عباده، فتكون مسيرته في ذلك على علم وبصيرة.
12- أن العالم نور يهتدي به الناس في أمور دينهم ودنياهم، ولا يخفي على كثير منّا قصة الرجل الذي من بني إسرائيل قتل تسعا ًوتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عابد فسأله هل له من توبة ؟ فكان العابد استعظم الأمر فقال: لا. فقتله فأتم به المائة، ثم ذهب إلى عالم فسأله فأخبره أن له توبة وأنه لاشيء يحول بينه وبين التوبة ، ثم دله على بلد أهله صالحون ليخرج إليها،فخرج فأتاه الموت في أثناء الطريق.والقصة مشهورة. فانظر الفرق بين العالم والجاهل.
13- أن الله يرفع أهل العلم في الآخرة وفي الدنيا، أما في الآخرة فإن الله يرفعهم درجات بحسب ما قاموا به من الدعوة إلى الله – عز وجل – والعمل بما علمـوا ، وفي الدنيا يرفعهم الله بين عبـاده بحسب ما قاموا به. قال الله تعالى: { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: الآية11).

                                                                  من كتاب: كتاب العلم – محمد صالح العثيمين

أخرج هواك من قلبك


وَأَمَّا الْهَوَى فَهُوَ عَنْ الْخَيْرِ صَادٌّ، وَلِلْعَقْلِ مُضَادٌّ؛ لِأَنَّهُ يُنْتِجُ مِنْ الاخْلاَقِ قَبَائِحَهَا، وَيُظْهِرُ مِنْ الافْعَالِ فَضَائِحَهَا، وَيَجْعَلُ سِتْرَ الْمُرُوءَةِ مَهْتُوكًا، وَمَدْخَلَ الشَّرِّ مَسْلُوكًا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: الْهَوَى إلَهٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ. ثُمَّ تَلاَ: {أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ} وَقَالَ عِكْرِمَةُ فِي قوله تعالى: {وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} يَعْنِي بِالشَّهَوَاتِ {وَتَرَبَّصْتُمْ} يَعْنِي بِالتَّوْبَةِ {وَارْتَبْتُمْ} يَعْنِي فِي أَمْرِ اللَّهِ {وَغَرَّتْكُمْ الامَانِيُّ} يَعْنِي بِالتَّسْوِيفِ {حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ} يَعْنِي الْمَوْتَ {وَغَرَّكُمْ بِاَللَّهِ الْغَرُورُ} يَعْنِي الشَّيْطَانَ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {طَاعَةُ الشَّهْوَةِ دَاءٌ، وَعِصْيَانُهَا دَوَاءٌ}. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: اقْدَعُوا هَذِهِ النُّفُوسَ عَنْ شَهَوَاتِهَا فَإِنَّهَا طَلاَعَةٌ تَنْزِعُ إلَى شَرِّ غَايَةٍ. إنَّ هَذَا الْحَقَّ ثَقِيلٌ مَرِيٌّ، وَإِنَّ الْبَاطِلَ خَفِيفٌ وَبِيٌّ، وَتَرْكُ الْخَطِيئَةِ خَيْرٌ مِنْ مُعَالَجَةِ التَّوْبَةِ وَرُبَّ نَظْرَةٍ زَرَعَتْ شَهْوَةً، وَشَهْوَةِ سَاعَةٍ أَوْرَثَتْ حُزْنًا طَوِيلاً. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه: أَخَافُ عَلَيْكُمْ اثْنَيْنِ: اتِّبَاعَ الْهَوَى وَطُولَ الامَلِ. فَإِنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى يَصُدُّ عَنْ الْحَقِّ وَطُولَ الامَلِ يُنْسِي الاخِرَةَ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إنَّمَا سُمِّيَ الْهَوَى هَوًى؛ لِأَنَّهُ يَهْوِي بِصَاحِبِهِ. وَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: الْهَوَى هَوَانٌ وَلَكِنْ غَلِطَ بِاسْمِهِ، فَأَخَذَهُ الشَّاعِرُ وَقَالَ:
إنَّ الْهَوَانَ هُوَ الْهَوَى قُلِبَ اسْمُهُ فَإِذَا هَوِيتَ فَقَدْ لَقِيت هَوَانَا
وَقِيلَ فِي مَنْثُورِ الْحِكَمِ: مَنْ أَطَاعَ هَوَاهُ، أَعْطَى عَدُوَّهُ مُنَاهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْعَقْلُ صَدِيقٌ مَقْطُوعٌ، وَالْهَوَى عَدُوٌّ مَتْبُوعٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ أَفْضَلُ النَّاسِ مَنْ عَصَى هَوَاهُ، وَأَفْضَلُ مِنْهُ مَنْ رَفَضَ دُنْيَاهُ. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ:
إذَا أَنْتَ لَمْ تَعْصِ الْهَوَى قَادَك الْهَوَى إلَى كُلِّ مَا فِيهِ عَلَيْك مَقَالُ
قَالَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ رحمه الله: لَمْ يَقُلْ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ سِوَى هَذَا الْبَيْتِ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
إذَا مَا رَأَيْت الْمَرْءَ يَعْتَادُهُ الْهَـــــــــــــــــوَى فَقَدْ ثَكِلَتْهُ عِنْدَ ذَاكَ ثَوَاكِلُهْ
وَقَدْ أَشْمَتَ الاعْدَاءَ جَهْلاً بِنَفْسِــــــــــــهِ وَقَدْ وَجَدَتْ فِيهِ مَقَالا عَوَاذِلُهْ
وَمَا يَرْدَعُ النَّفْسَ اللَّجُوجَ عَنْ الْهَوَى مِنْ النَّاسِ الا حَازِمُ الرَّأْيِ كَامِلُهْ
فَلَمَّا كَانَ الْهَوَى غَالِبًا وَإِلَى سَبِيلِ الْمَهَالِكِ مَوْرِدًا جَعَلَ الْعَقْلَ عَلَيْهِ رَقِيبًا مُجَاهِدًا يُلاَحِظُ عَثْرَةَ غَفْلَتِهِ، وَيَدْفَعُ بَادِرَةَ سَطْوَتِهِ، وَيَدْفَعُ خِدَاعَ حِيلَتِهِ؛ لِأَنَّ سُلْطَانَ الْهَوَى قَوِيٌّ، وَمَدْخَلٌ مَكْرِهِ خَفِيٌّ. وَمِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ يُؤْتَى الْعَاقِلُ حَتَّى تَنْفُذَ أَحْكَامُ الْهَوَى عَلَيْهِ أَعْنِي بِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: قُوَّةَ سُلْطَانِهِ وَبِالاخَرِ خَفَاءَ مَكْرِهِ. فَأَمَّا الْوَجْهُ الاوَّلُ فَهُوَ أَنْ يَقْوَى سُلْطَانُ الْهَوَى بِكَثْرَةِ دَوَاعِيهِ حَتَّى يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ مُغَالَبَةُ الشَّهَوَاتِ فَيَكِلُّ الْعَقْلُ عَنْ دَفْعِهَا، وَيَضْعُفُ عَنْ مَنْعِهَا، مَعَ وُضُوحِ قُبْحِهَا فِي الْعَقْلِ الْمَقْهُورِ بِهَا، وَهَذَا يَكُونُ فِي الاحْدَاثِ أَكْثَرَ وَعَلَى الشَّبَابِ أَغْلَبَ؛ لِقُوَّةِ شَهَوَاتِهِمْ؛ وَكَثْرَةِ دَوَاعِي الْهَوَى الْمُتَسَلِّطِ عَلَيْهِمْ وَإِنَّهُمْ رُبَّمَا جَعَلُوا الشَّبَابَ عُذْرًا لَهُمْ، كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشِيرٍ: كُلٌّ يَرَى أَنَّ الشَّبَابَ لَهُ فِي كُلِّ مَبْلَغِ لَذَّةٍ عُذْرَا وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْهَوَى مَلِكٌ غَشُومٌ، وَمُتَسَلِّطٌ ظَلُومٌ. وَقَالَ بَعْضُ الادَبَاءِ: الْهَوَى عَسُوفٌ، وَالْعَدْلُ مَأْلُوفٌ.
وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
يَا عَاقِلاً أَرْدَى الْهَوَى عَقْلَهُ مَالَك قَدْ سُدَّتْ عَلَيْك الامُورُ
أَتَجْعَلُ الْعَقْلَ أَسِيرَ الْهَوَى إنَّمَا الْعَقْـــــــــــلُ عَلَيْهِ أَمِيرُ
وَحَسْمُ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَعِينَ بِالْعَقْلِ عَلَى النَّفْسِ النُّفُورَةِ فَيُشْعِرُهَا مَا فِي عَوَاقِبِ الْهَوَى مِنْ شِدَّةِ الضَّرَرِ، وَقُبْحِ الاثَرِ، وَكَثْرَةِ الاجْرَامِ، وَتَرَاكُمِ الاثَامِ. فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ}. أَخْبَرَ أَنَّ الطَّرِيقَ إلَى الْجَنَّةِ احْتِمَالُ الْمَكَارِهِ، وَالطَّرِيقَ إلَى النَّارِ اتِّبَاعُ الشَّهَوَاتِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه: إيَّاكُمْ وَتَحْكِيمَ الشَّهَوَاتِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّ عَاجِلَهَا ذَمِيمٌ، وَآجِلَهَا وَخِيمٌ، فَإِنْ لَمْ تَرَهَا تَنْقَادُ بِالتَّحْذِيرِ وَالارْهَابِ، فَسَوِّفْهَا بِالتَّأْمِيلِ وَالارْغَابِ، فَإِنَّ الرَّغْبَةَ وَالرَّهْبَةَ إذَا اجْتَمَعَا عَلَى النَّفْسِ ذَلَّتْ لَهُمَا وَانْقَادَتْ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ: كُنْ لِهَوَاك مُسَوِّفًا، وَلِعَقْلِك مُسْعِفًا، وَانْظُرْ إلَى مَا تَسُوءُ عَاقِبَتُهُ فَوَطِّنْ نَفْسَك عَلَى مُجَانَبَتِهِ فَإِنَّ تَرْكَ النَّفْسِ وَمَا تَهْوَى دَاؤُهَا، وَتَرْكَ مَا تَهْوَى دَوَاؤُهَا، فَاصْبِرْ عَلَى الدَّوَاءِ، كَمَا تَخَافُ مِنْ الدَّاءِ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
صَبَرْتُ عَلَى الايَّامِ حَتَّى تَوَلَّتْ وَأَلْزَمْتُ نَفْسِي صَبْرَهَا فَاسْتَمَرَّتْ
وَمَا النَّفْسُ الا حَيْثُ يَجْعَلُهَا الْفَتَـــى فَإِنْ طَمِعَتْ تَاقَتْ وَالا تَسَلَّتْ
فَإِذَا انْقَادَتْ النَّفْسُ لِلْعَقْلِ بِمَا قَدْ أُشْعِرَتْ مِنْ عَوَاقِبِ الْهَوَى لَمْ يَلْبَثْ الْهَوَى أَنْ يَصِيرَ بِالْعَقْلِ مَدْحُورًا، وَبِالنَّفْسِ مَقْهُورًا، ثُمَّ لَهُ الْحَظُّ الاوْفَى فِي ثَوَابِ الْخَالِقِ وَثَنَاءِ الْمَخْلُوقِينَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَفْضَلُ الْجِهَادِ جِهَادُ الْهَوَى. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أَعَزُّ الْعِزِّ الامْتِنَاعُ مِنْ مِلْكِ الْهَوَى. وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: خَيْرُ النَّاسِ مَنْ أَخْرَجَ الشَّهْوَةَ مِنْ قَلْبِهِ، وَعَصَى هَوَاهُ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ. وَقَالَ بَعْضُ الادَبَاءِ: مَنْ أَمَاتَ شَهْوَتَهُ، فَقَدْ أَحْيَا مُرُوءَتَهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: رَكَّبَ اللَّهُ الْمَلاَئِكَةَ مِنْ عَقْلٍ بِلاَ شَهْوَةٍ، وَرَكَّبَ الْبَهَائِمَ مِنْ شَهْوَةٍ بِلاَ عَقْلٍ، وَرَكَّبَ ابْنَ آدَمَ مِنْ كِلَيْهِمَا؛ فَمَنْ غَلَّبَ عَقْلَهُ عَلَى شَهْوَتِهِ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ، وَمَنْ غَلَبَتْ شَهْوَتُهُ عَلَى عَقْلِهِ فَهُوَ شَرٌّ مِنْ البهائم. 
 
                                                                                                      من كتاب: أدب الدنيا و الدين - الشافعي

الخميس، 4 أكتوبر 2012

كيف تكون فقيرا الى الله

 فجملة نعت الفقير حقاً أَنه المتخلِّى من الدنيا تطرفاً والمتجافى عنها تعففاً. لا يستغنى بها تكثراً، ولا يستكثر منها تملكاً، وإِن كان مالكاً لها بهذا الشرط لم تضره، بل هو فقير غناه فى فقره، وغنى فقره فى غناه.. ومن نعته أَيضاً أَن يكون فقيراً من حاله وهو خروجه عن الحال تبرياً، وترك الالتفات إِليه تسلياً، وترك مساكنة الأَحوال والرجوع عن موافقتها فلا يستغنى بها اعتماداً عليها ولا يفتقر إِليها مساكنة لها. ومن نعته أَنه يعمل على موافقة الله [و] الصبر والرضى والتوكل والإِنابة، فهو عامل على مراد الله منه لا على موافقة هواه وهو تحصيل مراده من الله، فالفقير خالص بكليته لله عز وجل، ليس لنفسه ولا لهواه فى أَحواله حظ ولا نصيب، بل عمله بقيام شاهد الحق وفناءِ شاهد نفسه، قد غيبه شاهد الحق عن شاهد نفسه فهو يريد الله بمراد الله، فمعَّوله على الله، وهمته لا تقف دون شيء سواه، قد فنى بحبه عن حب ما سواه وبأَمره عن هواه وبحسن اختياره له عن اختياره لنفسه، فهو فى واد والناس فى واد خاضع متواضع سليم القلب، سلس القيادة للحق، سريع القلب إِلى ذكر الله، بريء من الدعاوى لا يدعى بلسانه ولا بقلبه ولا بحاله، زاهد فى كل ما سوى الله، راغب فى كل ما يقرب إِلى الله، قريب من الناس أَبعد شيء منهم، يأْنس بما يستوحشون منه ويستوحش مما يأْنسون به، متفرد فى طريق طلبه لا تقيّده الرسوم ولا تملكه العوائد ولا يفرح بموجود لا يأْسف على مفقود، من جالسه قرت عينه به ومن رآّه ذكرته رؤيته بالله سبحانه، قد حمل كله ومؤنته عن الناس، واحتمل أذاهم وكف أذاه عنهم، وبذل لهم نصيحته وسبل لهم عرضه ونفسه لا لمعاوضة ولا لذلة وعجز، لا يدخل فيما لا يعنيه ولا يبخل بما لا ينقصه، وصفه الصدق والعفة والإِيثار والتواضع والحلم والوقار والاحتمال، لا يتوقع لما يبذله للناس منهم عوضاً ولا مدحة، لا يعاتب ولا يخاصم ولا يطالب ولا يرى له على أَحد حقاً ولا يرى له على أَحد فضلاً، مقبل على شأْنه مكرم لإِخوانه بخيل بزمانه حافظ للسانه، مسافر فى ليله ونهاره ويقظته ومنامه لا يضع عصا السير عن عاتقه حتى يصل إِلى مطلبه، قد رفع له علم الحب فشمر إِليه، وناداه داعى الإشتياق فأَقبل بكليته عليه، أَجاب منادى المحبة إِذ دعاه حى على الفلاح، ووصل السرى فى بيداءِ الطلب، فحمد عند الوصول سراه، وإِنما يحمد القوم السرى عند الصباح:

 
فحى على جنات عدن فإِنها * منازلك الأُولى وفيها المخيم
ولكننا سبى العدو، فهل تري * نعود إِلى أَوطاننا ونسلم
وحى على روضاتها وخيامها * وحى على عيش بها ليس يسأم
وحى على يوم المزيد وموعد ال *المبين، طوبى للذى هو منهم
وحى على واد بها هو أَفيح *وتربته من أذفر المسك أعظم
ومن حولها كثبان مسك مقاعد *لمن دونهم هذا الفخار المعظم
يرون به الرحمن جل جلاله *كرؤية بدر التم لا يتوهم
أَو الشمس صحواً ليس من دون أُفقها *ضباب ولا غيم هناك يغيم
وبينا فى عيشهم وسرورهم *وأَرزاقهم تجرى عليهم وتقسم
إِذا هم بنور ساطح قد بدا لهم* فقيل ارفعوا أبصاركم، فإِذا هم
بربهم من فوقهم وهو قائل: *سلام عليكم طبتم وسلمتم
فيا عجبا، ما عذر من هو مؤمن *بهذا ولا يسعى له ويقدم
فبادر إِذا ما دام فى العمر فسحة *وعدلك مقبول وصرفك قيم
فما فرحت بالوصل نفس مهينة *ولا فاز قلب بالبطالة ينعم
فجدَّ وسارع واغتنم ساعة السري *ففى زمن الإِمكان تسعى وتغنم

                                                  من كتاب: طريق الهجرتين و باب السعادتين_ – ابن القيم
 
دعم : إنشاء المواقع | قوالب جوني | قوالب ماس | قوالب بلوجر عربية ومجانية
© 2011. مدونة نسمات - جميع الحقوق محفوظة
عدله إنشاء المواقع - تعريب قوالب بلوجر عربية ومجانية
بدعم من بلوجر